كَتَبَ يَكتبُ كِتابةً فهو كاتب

كَتَبَ يَكتبُ كِتابةً فهو كاتب

غير أن صفة الكتابة تتطلب قدراً من البراعة قبل كل شيء، بينما فعل الكتابة نفسه، ليس أكثر مِن “فعل”، و أنت لست كاتباً لمجرد أنك تكتب، أعني، أنت بالفعل كاتب طالما أنك تمارس الآن فعل الكتابة، غير أنك تتوقف عن كونك كاتباً عندما لا تكون تكتب…

فكيف يكون فاعلاً مَن لا يفعل؟!

اليوم هو يوم ميلادي على ما يبدو، لم يتذكرني أحد، سوى الموقع الذي سجلت به قبل سبع سنوات لكي “أكتب”، و أنا بصراحة لا أكتب؛ إنني أتدرب على الكتابة، هذا كل ما أفعله حين أكتب: أتدرب على الكتابة. سبع سنوات هي عمري الفعلي، إنني أستعد الآن للالتحاق بالمدرسة، أتعلم كل ما هو مقرر للطفل في السابعة أن يتعلمه قبل الخروج إلى العالم الأوسع من عالمه.

هذا العام لا يُحتَسَب، لقد قررت أن أُعلِّق تقدمي في السن لهذه السنة، إنه الرقم الأهم، لقد انتظرته طويلاً و سوف لن أسمح له بأن يعبرني هكذا بلا أي جلبة، علينا تأجيلها إلى العام التالي. سنة ما عشتها كما ينبغي، لن أكبر فيها. هل سأسمح لعيد العمر الذي أتحرر فيه كلياً من التوقعات أن يمر و أنا لا يعرفني أحد! لا أحد. كلا، ليس هناك من يهتم لأمري لدرجة أن يتذكر شأناً يخصني.

هذه السنة، بكل الأحوال، كانت قد بدأت بشكل مثير للتساؤل، استيقظت فيها بأنفٍ مُعوَجّ. تنام ببساطة و لك أنفٌ لا تدري كيف شكله لأنك لم تفكر بوصفه من قبل، ثم تستيقظ لتشاهد بمنتصف وجهك أنفاً جديداً لا يشبهك. ذلك الأنف جعلني أبدو بالغة الطيبة، إذ نظرت في المرآة و قلت انظر لهذا الوجه ما أطيبه! خفت بالطبع، جميعنا نخاف عندما نلاحظ تحولاتنا الجسدية و هي تحصل أمام أعيننا.

جعلني ذلك أرتطم بفكرتي حول الشيخوخة حيث كنت أعتقد بأنها عملية تحصل بالتدريج، و لكني رأيت كم كنت مخطئة في ذلك الشأن، و ها هي تحصل دفعة واحدة بلا مقدمات؛ هذا أول ما فكرت فيه: إن وجهي اليوم سيكون هو وجهي للأربعين سنة القادمة. و قد كنت أحسب قبل ذلك اليوم أني سوف أحتفظ بملامحي كالجديدة بعدما أنتقل إلى عقدي التالي، تتغير بينما أكبر، و لا ألاحظ.

و في غمرة انفعالاتي في اليوم الأول من العام، وضعت في لائحة مهامي: “أنف و أذن و حنجرة”، بجانب شيء عن السلك المكسور في أسناني منذ أكثر من عام، بقرب شيء عن أذني التي تطقطق منذ ما يقارب العامين، و جميع الأشياء الأخرى التي اعتدت على ترحيلها من اليوم إلى الذي يليه، و من الشهر إلى الذي بعده، و تنتهي الأيام إلى سنين؛ يتلاشى دافعي و تبرد همتي.

كل حياتي عبارة عن استعدادٍ لأشياء، بالنهاية لا أفعلها. لدي شعورٌ أبدي بالرضا؛ في حالتي الطبيعية أنا راضية، يتجلى رضاي على شكل نقص في الدافعية، حيث أغوص في الفكرة و لا أتحرك نحو الفعل. بالنسبة لشخص لم يكن لديه أي شيء ثم صار لديه القليل، فقدت الإحساس بمعنى أن تحتاج و أن ترغب و أن تريد و أن تطلب و أن تنال و أن تأخذ؛ تمر الأشهر و أنا عالقة في نفسي.

أضيع في الوقت؛ أعيش في رأسي، و أكتفي و لا أشبع. في الأحوال العادية أنا بخير، إلى أن يُفسِد أحدهم سلامي، و هذا نادر بالطبع في حياة قائمة على الابتعاد عن الناس. حدودي عريضة و لا ترحب بالدخلاء. أخرج أحياناً من مساحتي الصغيرة، عندما أحتاج بشدة للخروج، أقصد، لأمر يحتاج خروجي لإنجازه و ليست لدي طريقة لتخطيه، هكذا فقط أضطر للتواجد في عالم الآخرين.

بهجتي بدائية، و كذلك انزعاجاتي، مثل الرضيع، بعد وجبة دافئة أفرح من اليوم إلى الغد… ليس لدي ما يكفي ليجعل المرء سعيداً، و لا حتى تعيساً. إن العائد من الحرب هو ناجٍ من الحرب فحسب، حاله لا موت فيها و لا حياة. إنني سيدة المشاريع المُتخلى عنها، و المُهل النهائية الوشيكة، و المواعيد المؤجلة للغد. لا أقيم في مكان إلا لأرحل عنه لغيره، و أكون كالجديدة كلما صار لا يعرفني أحد.