قبل أن أنسى 2 Feb

قبل أن أنسى 2 Feb

أتعامل مع العديد من الأشخاص، ثم أعود وحيدة. لا يمكنني الشعور بأنني محبوبة على أي صورة؛ لا أحد يسعى لصحبتي، لا أحد ينشد حضوري، لا أحد يطلب رفقتي. تسير علاقاتي بهذا الشكل: أنا أعطي، و يؤخذ مني، ثم لا أعطي، فيُنصَرَفُ عني. طوال عمري و أنا أشتري المساحات في قلوب الآخرين، ثم عندما أتوقف عن الدفع، تتم إزاحتي منها لاسترجاعها. و أفكر؛ لأي حد يمكن للمرء أن يكون مكروهاً؟! لقد توصلت إلى استنتاجي الخاص: الطفل الذي تكرهه والدته، يكرهه العالم؛ ملعون إلى الأبد و كأن أمه قد أعلنت للخليقة منذ البدء، إن هذا الكائن الصغير الذي منحته الحياة غير مستحق لأي محبة، مثل عيب في الجسد، كريه و لا يطاق، ابن الشيطان هذا!

كما أني أجهل تماماً كيف تسير العلاقات، لم أحصل على المعرفة الأساسية في هذا الشأن، لم أشاهدها و هي تحصل، لا أمتلك في ذاكرتي أمثلة حية لعلاقات سليمة، و لا أعرف كيف يتصرف المرء و هو فيها، أثق في نفسي و في تعليمي المكتسب حصراً من الكتب، فأبادر و أدع نفسي تتقدم خطوتين نحو أحدهم، ثم أجدني بداخل دائرته في ورطة، لا أدري ما الذي علي فعله بعد ذلك، يجمدني العار، أخاف، أتسبب بالأذى و أغادر. و أنا لست شخصاً جيداً بكل الأحوال، إنني على هذا اللطف لأنه ما أرجو أن أحصل عليه، و ليس لأنه يعكس طبيعتي. خشيتي من التسبب بالأذى تجعلني بالغة اللطافة، و أنا أخاف كذلك أن تتم معاملتي بغير لطف؛ فأتلطف، إذ قد أتهشم من نأمة.

بعدما اعتاد الجسم على الضرب يجفل من لمسة. لا أدري ما قد يبدر مني لو أني اختبرت حياة طبيعية مليئة بالأحداث و بالأشخاص، و كيف سوف أتصرف في المواقف المتطرفة التي تتطلب ردود أفعال فورية، و أي وجه سيظهر مني في الأحوال الضاغطة… فلقد نشأت على النجاة منذ وعيت، ثم كل ما فعلته منذ نفذت بجلدي من معتقل روحي، أني تجنبت الحياة بكل ما فيها كي أتفادى الاحتكاك بإصاباتي القديمة، لقد أزلت الوجع بالتخدير الكلي. ما الذي يجعلني أحافظ على المسافة و لا أزيد؟ الخوف. الخوف هو ما يبعدني، و هو ما يجعلني عالقة على خط ما هو ببعيد و لا كذلك قريب. أخاف الاقتراب في كل شيء، في المكان و في الزمان و بالروابط و بالعلاقات أكثر من كل شيء آخر.

حتى قط الشارع و قد دخل إلى مكاني الدافئ هرباً من برد يجعله يموء منذ غروب الشمس حتى شروقها، و جال بين الغرف متفحصاً الأسطح مندساً تحت كل فراغ… قال: “مِءْ” و اتجه نحو المدخل ففهمت، فتحت له الباب، عبَرَ البرد، و راح عني دون أن يلتفت. كما يبدأ اليوم ينتهي، خرجت إلى العالم من دون دعوة، كل الأشياء فيه أخبرتني أن هذا العالم ليس لي، و قد أظهرت لي عدم الترحيب بكل طريقة ممكنة، لا المداخل استقبلتني و لا المقاعد احتوتني، ما نزلت لي الأدراج و لا أخذتني إليها القاعات، و هذا الجسد الذي هو بحاجة إلى المساعدة حتى يستطيع، يتوجع من اليد التي تقبض عليه لترفعه أو تدفعه أو تسحبه، كلا؛ هذا العالم ليس لي، و ليست كل الأشياء فيه لي.

كل ما أفعله عندما أخرج من فراشي، هو تذكير مستمر بمحدودية قدرتي على الحركة، و تذكير مستمر بعجزي عن ملاحقة أشيائي، و تذكير لعين مستمر بأني لست أحداً لأحد، وهناك كل الأشياء الخاطئة التي تقال، و الأسئلة البسيطة التي لا يمكن الإجابة عليها ببساطة. ثم لماذا ينبغي على الشخص المصاب أن يكون مستعداً في كل وقت لشرح حالته بجميع أبعادها أينما ذهب؟ و لماذا لا يمكن لأحدنا الحصول على المساعدة بالطريقة التي يحددها دون أن يكون مضطراً أولاً لإقناعك بأنه شخص معاق بالفعل و لكنه لا يبدو مثلما يبدو المعاق على الملصقات التوضيحية، و بأنه يحتاج المساعدة التي قرر بنفسه بأنه يحتاجها لا أكثر؟ و أما إلحاحك على تقديم ما لم يطلبه فلا يساعد.

محاولات عبثية خضتها خلال بضعة أشهر، أكدت لي للمرة المئة بعد الألف بأني لا أصلح للرفقة البشرية، لا أحد على استعداد للتعامل مع شخص قابل للكسر بهذه السهولة، جسدياً و نفسياً. من سيولي كل تركيزه حتى يعرف كيف ينبغي أو لا ينبغي أن يتصرف في كل شأن يخصك؟ لا أحد يحب بهذا المقدار، لن يقترب منك أحدهم لأن سلوكه الطبيعي هو أن يعطي، الاقتراب فعل أخذ و ليس إعطاء. لم أجرب من قبل أن يتم إعطائي دون شرط، و لم أنتبه سوى متأخراً إلى أنني أعطي من احتياج، لتتم ملاحظتي و لا أكون منسية، هذه هي الطريقة التي أغطي عجزي عن التواصل بها، لأني لا أستطيع حتى لو أردت، و لم يحدث مرة أن حاول أحدهم تعلم التواصل معي على طريقتي.

ينجذب لي الآخذون عادة لأنهم بارعون في تمييز المعطي، و أنا مبرمجة على أن أعطي فحسب، و حتى حين لا أعطي، فأنا لا آخذ، ليس أنني لا أريد، و لكن لأنه ببساطة ليس هناك من يعطيني، حتى الذين أعطيهم، و حتى الذين يأخذون مني، هذا دور تم وضعي فيه منذ أن وُجِدت، كبرت فيه و اعتدت عليه، ثم عندما حاولت الخروج منه اكتشفت بأن الجميع قد اعتادوه مني، و قد استهجنوني في كل مرة ظهرت فيها دون أن أعطي مثلما هو معتاد مني، الصغار ألقوا بتعليقاتهم دون مواربة، أما الكبار فلمحوا إلى ضائقة مالية قد أكون أعاني منها، و حين تواريت، صار الحديث يدور عن أزمة نفسية أمر بها، لم أعد حاضرة لألبي للجميع في كل وقت، لأسمع و أبدي التعاطف و أدلي بالحلول.

و هكذا، و رغم رهابي الإجتماعي الذي يشمل التواصل من خلف الشاشات، حيث أصاب بالهلع و أنا أشاهد الناس و هم يسيئون إلى بعضهم البعض من غير حتى سابق معرفة، و أتصور ما قد يحصل لي لو أنني كنت جزءاً من هذا السيرك، و ينتابني الذعر و أنا أفكر فيما لو أساء أحدهم الأدب معي؛ كلا لن أصمد هناك ليوم واحد. قلت لا بد من مكان أبدأ منه، فلا يعقل ألا أحاول على الإطلاق و أنا بهذا العمر، علي أن أجرب التحدث مع الآخرين من مسافة أمان، فلربما نجحوا بجعلي أطمئن إليهم إلى الحد الذي يُخرجني إليهم. لقد فعلتها و تحدثت مع البعض، و لقد عدت اليوم أشد انكماشاً على ذاتي مما كنت قبلاً. و الناس هم الناس، وجدتهم مثلما تركتهم، و في طبيعتهم التلقي و الاستهلاك.

لقد كان من الممل أن أتظاهر بالاهتمام بالرد على مراسلات حول كيف حالنا و ما أحوالنا و كيف سار يومنا و هل نحن بخير و ما الذي سوف نفعله… أرجوكم الرحمة! هل حقاً سنبدد أنفسنا و نحن نناقش تفاصيلنا اليومية الاعتيادية؟ حسناً هل أنت مهتم بالتحدث عن الغازات في بطوننا و عن الحركة في أمعائنا؟! هل هذا ما يفعله الناس طوال الوقت؟ يسألون بعضهم البعض أسئلة لا تتطلب منهم أي أجوبة، تقول أي شيء و لا تخبر شيئاً؟ أتخيلني و أنا أشارك في محادثات مثرية للغاية و تتحفز حواسي كلما بادر أحدهم بتحيتي، ثم أشعر بالإنطفاء و الذبول شيئاً فشيئاً بينما أترقب اللحظة التي سنبلغ فيها عمق أحاديثنا، و تلك اللحظة لا تأتي، و يأتي الضجر العظيم، فيعيدني لصمتي.

أنا أستسلم. في مثل حالتي، لا يفيض شيء مني، ليس بي ما قد أكرسه من أجل الظهور الاجتماعي. في حالة العافية، الطبيعي أنك في راحة، و أنك تتعب لترتاح، بينما في حالنا، الطبيعي أننا في إعياء، و أننا بالكاد نرتاح لنعود فنعيا. و نحن بخير كما نحن، نتعود، غير أن العالم لا يبطئ من نفسه حتى نتمكن من اللحاق به، و في كل شأن عليك أن تستبطئ أحدهم حتى يكف عن أن يستعجلك، و أحياناً هذه كل المساعدة التي قد تحتاجها، أن تُترَك و شأنك إلى أن تنتهي من مساعدة نفسك. المرض المزمن يحدد هويتك، لا مفر من ذلك، حركة الإنسان جزء من هويته، السلوك الحركي مرتبط بكل ما تريد و ما لا تريد أن تفعل، إنه يساهم بتشكيل شخصيتك و يعرِّف وجودك المادي.

الأصحاء يتبرعون بشرح حالتك إليك، و هذا يضع عليك ضغط التظاهر بعافية لا تمتلكها كلما خرجت إليهم، ليس من العدل أن يتم إرغامك على تزييف أعراضك لتجعلها أخف وقعاً على الأنظار، و لكي لا تخدش المظهر العام، و لكي تتجنب الحصول على نصائح لم تطلبها، و للمفارقة، هي لا تأتي سوى من غير المصابين بمثل حالتك! لدي طاقة محدودة، من المفترض أنها تذهب كلها في العمل على تنسيق حركاتي بينما تعمل أعصابي بأقصى قدرتها حتى توصل أمراً بسيطاً يقنع أطرافي بأن تتحرك، ثانية بثانية أحتاج توجيه أوامر واعية إلى ذاكرة جسمي سريع النسيان، و ليس من صالحي أن أستنفد تركيزي في محاولة اندماج مرهقة، أقلص فيها تصرفاتي لكي لا يظهر مني العجز.

أدّعي الكسل لأنه مقبول أكثر من الإعاقة الغير مرئية، و لا يتطلب تفسيراً. لا أمانع أن يشاع عني أني كسولة، فأرتاح في كسلي من التوقعات. كلما اجتهدت في تغطية أعراضك، كلما توجب عليك مجاراة توقعات الآخرين منك، فطالما أنك بخير، ما الذي سيمنعك من التواجد متى و أينما تطلب الأمر تواجدك؟ ظهورك هذه المرة و أنت في حالة جيدة، سيعني أنه من غير المسموح لك أن تبدو مرهقاً في المرات القادمة، و إلا سيكون الأمر مزعجاً لك، إذ ستحصل على أضعاف التعليقات التي كنت قد نجحت بصعوبة في تجنبها. عندما أقول إن هناك أيام جيدة و أيام سيئة، يعني أن هناك أيام تستطيع التظاهر فيها، و أخرى تدفع فيها ثمن تظاهرك… إنها أقل من نصف حياة.

الجرح الغير نازف لا تتم رؤيته كجرح، إنه مجرد شق مفتوح في يدي، يقطع أحد خطوط كفي، و كأني قصدت وضعه هناك، و لو أنني تعمدت إحداثه لما جاء بهذه الدقة، و يتصل تماماً بخط شريان ليس أخضر و لا أزرق، يبدو لوناً ناتجاً عن تداخل اللونين. كان ينبغي للسكين أن تكون أكثر حدة لتصنع نهاية أخرى. و لكنه ليس جرحاً يستحق أن يعتني الآخرون به، فهو لم ينزف، الوجع الذي يتسبب به عندما أستخدم يدي بالحركة لا يُحتَسَب، و أنا أستخدمها طوال الوقت لأن الضعف في العضلات يجعلك تسير على أطرافك الأربعة، أقصد تعتمد على أطرافك الأربعة في المشي، أعني و أنت منتصب لتكون الصورة أكثر دقة. الجرح الغير نازف لا يؤلم إذن، مثلما الإعاقة الغير مرئية لا تعيق.

مع كل أحد أتعرف عليه، أول ما أفعله، أضع تاريخ مولده في مكان خاص في ذاكرتي، و أستعد لأريه كيف أن هناك من سوف يتذكره بشيء في يومه، و كلا، لم أبلغ ذلك الحد و لا مرة. عرفت البعض أحياناً قبل شهر أو شهرين من تواريخ ميلادهم، و لم أنجح و لا مرة واحدة بالبقاء حتى أقدم لهم الهدايا التي كنت قد جهزتها من أجلهم سلفاً و تركتها تنتظر. قدمت هدايا تعارف، و كان هذا أقصى ما تطورت إليه أي علاقة من علاقاتي التي تبهت و هي جديدة، و أنا أستعجل بترك شيء خلفي لأني أعرف نمطي المتكرر، و أرى النهاية في البدايات. على الرغم من أنني أوضح منذ البداية أنني ناجية؛ أعاني من جميع الاضطرابات التي يعاني منها الناجون، و كم أني تالفة و أخاف… من الناس.

الخوف هو ذاكرة، تدور حول ما نتذكره و ما لا  نتذكره، و عدم التذكر لا يعني النسيان. أخاف القيام بالأشياء الخاطئة و أقوم بها في كل مرة، أخاف من خسارة أشيائي الأثيرة فأقوم بتدميرها، أعطي ما هو لي لغيري قبل أن يؤخذ مني، أخاف من عدم معرفة كيفية التعامل مع الناس فأتجنبهم، أستسلم و لا أواجه، أتنازل عن الأشياء و لا أتنازع عليها. هل طبيعتي المتبلدة التي لا تبدي ردود فعل انفعالية و لا تظهر عليها العاطفة في الفعل، جعلتني الهدف السهل لتلقي الإساءة؟ هل كان واضحاً علي كطفل حديث الولادة أني جاهزة للتشكل على شخصية الذي يتحمل و يطيع و لا يقاوم و لا يتكلم؟ و هل ما يزال يبدو علي أنني الشخص الذي لن يرفض و لن يعترض، و سيظل يداري و يساير؟

يمكن لعبارة واحدة غير مراعية أن تقتل كل دوافعي، أتوقع من الآخرين مراعاة هشاشتي و عدم استضعافي في الوقت ذاته، و لهذا أخبر الكثير عن نفسي، و أبيّن توقعاتي، أقول كل شيء، لا أنتظر سؤالي عني. التفاصيل المرتبطة بصدماتي القديمة كثيرة، في كل لحظة أنا أتذكر، في كل شيء هناك ما يذكرني. و عندما لا تراقب سلوكك معي، لن يمكنك التنبؤ بالموقف الذي سآخذ فيه بالانكماش حتى أتلاشى و لا أعود حاضرة معك، تتجمد كل تجربتي معك عند النقطة التي جلبْتَ إلي فيها مثيراً يستحث لدي ذاكرة ألم. عندما يتم الحكم علي، أصير أرفض مشاعري، يهمني إرضاء الآخر على حساب ذاتي؛ هذه ليست ذاكرتي الواعية، إنه ما صنعته بي ظروف نشأتي المختلة.

إلا أني أكره البقاء بقرب المرء حالما ألاحظ كيف يجعلني أرفض مشاعري طوال الوقت. يتوجب عليك التظاهر بأنك نظيف كالزجاج الملمع للتو، أن تقمع، هذه المرة باختيارك الواعي، أفكارك، و تنكر مشكلاتك. و أنا أحب أن أكون حقيقية مع ناس حقيقيين، حيث يكون لي صوت و أكون مرئية، و ذلك لأني من الذين يلتزمون بالطابور و ينتظرون دورهم؛ أحتاج التعامل مع أشخاص يماثلونني في اللطف و البشاشة، حيث أغطي ببراعة جلافة أطباعي و ركاكة شخصيتي. لا يمكن للشعور و السلبية أن يجتمعان في عبارة واحدة، على مبدأ “التثبيط المتبادل” الذي يقترح استحالة الإحساس بشعورين مختلفين في الآن نفسه. السلبية مرادف لتبلد الحس و لا يصح أن تصف أي حال من المشاعر بالسلبية.

إنها الطريقة التي تشعر بها، و هي على ما هي عليه، و أنت تعبر عنها مثلما تشعر بها، أفكار الغير لهم و مشاعرك لك. أما انعكاس أفكارك الشخصية على تعبيري عن نفسي، فهو ضرب من الإسقاط. تذكر دائماً، أنت لست أنا، و تجربة كل امرئ هي شأنه الخاص. التعبير عن الذات هو عكس السلبية تماماً، إذ يتطلب أن تعيد تعريف نفسك، و تنقب في ذاكرة الماضي عن المنسي و المقموع فيك، تزيل أقنعتك الاجتماعية و تتعلم عن أنماطك بالتكيف، و بشجاعة تواجه ظلالك و تتصالح معها. و أثناء ذلك، يترتب عالمك الداخلي و تكتسب أشياء الخارج معانيها مما يجري بداخلك. يعتقد البعض بأن الشخص البارع بالتعبير عن نفسه لفظياً؛ حسّاس عاطفياً، أحياناً، أكثر من غيره.

تلك الحساسية المزعومة تُتَرجَم على أنها ضعف في الشخصية، و بقدر ما أني أتميز بالبلادة في السياق الاجتماعي، و أرى في الانفعالية مظهراً من مظاهر النقص في الفهم، إلا أني أرى في نفسي القوة التي لا يمتلكها كثير من الناس، حيث أن عجزي عن ارتداء قناع الوعي الاجتماعي ينتهي على الطرف الآخر بعجزي عن التخلي عن هويتي الداخلية، و يمكنني القول بأن معرفتي بنفسي أكسبتني مهارة استثنائية في قراءة تفاصيل الغير و معرفتهم من خلالها، و بقدر ما أُخفِق بالإحساس بقيمة الروابط الاجتماعية، فإنه من المعتاد أن أرتبط بالآخرين بمستوى عميق من التعاطف، بينما خوفي الشديد منهم، يحميني من التعلق بهم. خوفي ليس نقطة ضعفي؛ إنه يعمل لصالحي.

أعتقد أن الذكاء اللغوي هو أحد وجوه الذكاء العاطفي، لا الاجتماعي، حيث معالجة الذكريات تتم من خلال اللغة، و ينتج عنها الفهم، و الذي يؤدي بدوره إلى إدراك و تفسير العالم. الخوف جهاز استشعار حساس يجنبنا الألم الغير مرغوب به من جانبنا، على الرغم من أنه قد يجلب الألم للآخر الذي يحتاج ألمنا للتخلص من ألمه، هذه الحياة مليئة بذاكرة ألم ممتدة تحيط بنا مثل شبكة، و بينما يعمل كل منا على الإفلات من تلك الشبكة، لا يدري ما إذا كان يُحكِم في الأثناء شدها على أحد العالقين على مسافة منه، لا توجد طريقة لتجنب كل ذلك الألم، جميعنا نحاول الفرار من المصيدة عينها. الخوف هو إذن آلية حماية، و يروق لي أن أفكر فيه على أنه رغم كل شيء، أحد أفعال الحب، شيء يشبه خط الزمن على أحد طرفيه الخوف و على الطرف الآخر هو حب.

الشخصية هي سلوك، السلوك يتشكل من ذاكرة، الذاكرة وليدة تجربة، و تجربة صغيرة بحجم حياة فرد واحد هي نتاج تاريخنا التطوري بأكمله. تكيف الإنسان من أجل البقاء جعل في طبيعته ألا يعطي، و هو حين يعطي، يعطي عموماً من أجل منفعته، ذاكرة الأسلاف فيها النجاة و فيها التضامن، و فيها التضامن من أجل النجاة، أي أن الإنسان بالنهاية لا يعطي إلا نفسه. كل أحد يحاول أن يأخذ، و سيعطي بالمقابل إن وجد ضرورة لذلك، و سيفضل حتماً أن يأخذ بلا مقابل. أما الذي جعل من طبيعتي أن أكون المانحة بلا حساب، فهو خلل في التنشئة، أو من يدري، ربما كنت لأكون هكذا بكل الأحوال، غير أنني لم أنل فرصتي لأنمو في بيئة آمنة، و منذ البداية استقبلتني الكراهية، نشأت على الرفض، و اعتدت توسل القبول و التماس الرضا من أول عمري.

ثم صرت أعطي و أمضي، و في المرات التي بقيت، صرت أعطي بجنون و لا أستطيع التوقف، إنه الدور الوحيد الذي أجيده، لا أعرف كيف يمكن لي أن أكون في علاقة لا أكون فيها الشخص الذي يمنح و يرعى و يخدم، و للحق، لم يحدث مرة أن كنت برفقة غير الآخذين، و ليس في ذلك أي سر، فالذي في طبيعته الأخذ، يرتاح بصحبة الذي في طبيعته الإعطاء، و لكن ما يدهشني حقاً كيف لم يحدث مرة أن وجدني أحدهم جديرة بأن أحصل على شيء؟ كيف لم يُقَدَم لي أي شيء؟ عليكم اللعنة إنني مكتفية بنفسي و كل ذلك الهراء، و لكن ألا يحق للمرء أن يتساءل ما الذي يجعله مُستحقَراً لهذا الحد؟! و كأنه من المقدر على أحدنا أن لا يكون صالحاً إلا للاستهلاك و الاستخدام و الاستغلال.

أغني، أحفظ أنصاف أغنيات، و لكني أغنيها على أية حال، من أجل أن أقطع تكرر الأفكار في رأسي. في كل وقت هناك فكرة عالقة تتكرر طوال اليوم، أسمعها بصوتي و هي تقال مرة تلو مرة، قد يكون شيئاً قلته في محادثة، أو فكرت بقوله، أظل أعيده كما هو، العبارات نفسها من دون تغيير، و لهذا أحتاج أن أغني، و أغني بصوت عال لأغطي على صوتي الذي يكرر كلامي في داخل رأسي. الكتابة لا تفيد في هذه المسألة، هذا أمر مختلف، الكتابة تساعدني على أن أبطئ من سرعة تفكيري حتى يتسنى لي أن أفهم، على عكس الغناء الذي يعطل التفكير و يجلب أحاسيساً لا أسماء لها. و لكني عندما لا أكتب أتعفن من الداخل، أفكر في جميع أنواع الأفكار و لا أكتبها، هذا متعب.

و لكن عدم الكتابة أسهل بكثير من الكتابة. و هكذا يمضي اليوم و أنا أغني قصصاً و أقول أغنيات، و أحياناً أصمت و لا أغني، و أفكر كيف أني هجرت الكتابة لأغني، و الآن أنا لا أغني و لا أكتب؛ فيتضاعف شعوري بالفقدان، و أشعر بالحزن و لا أحتاج أن تتم معاملتي كقمامة، و أرغب بالتوقف عن كوني مجرد مورد بشري، تتحدد أهميته بمقدار ما يجلب من النفع بوجوده، و على هذا الأساس يتضخم إدراكي بأن لاقيمة لي على الإطلاق، و بأني لا أعني شيئاً لأي مخلوق، و يزداد تعاطفي مع البكتيريا، و أتخيل عالماً فيه بيوتنا بثور على وجه الأرض و نحن فيه بكتيريا… ما زال التحليق في الخيال ينقذني. و أقرأ كثيراً لأن هذا هو سلوكي القهري، أتعلم عن الناس و أرتبط بالواقع من خلال الكتب.

إنني أحلم في أوقات لا يحلم فيها المرء عادة، فور أن أغمض عيني أجدني في غير مكان. و أنام أحياناً و لا أرغب أن أستيقظ، أغرق في عالم الأحلام المثير و لا أرغب بالعودة. و غيابي لا يعني أني منشغلة، بل نائمة. طريقتي في الحياة هي الاستسلام، لا أقاوم الحال و لا أرفضه، و لا أكترث حقاً بالشيء إلا في حينه. أنام لأني أحب التواجد في تلك العوالم العجيبة، و كلما صحوت عدت لأني أطارد إحساساً تمدني به و لا أجده هنا. لا أعرف أحداً يقرأ بقدر ما أفعل، غير أني أقرأ كثيراً و أعرف القليل، أقرأ لأعطل ذاكرتي و ليس لأُشَغِلّها، أقرأ و أنسى ما قرأت. لقد كنت صامتة من قبل، ثم تعلمت كيف أتكلم، و كيف أقول ما أعرف، فتبين لي أنك في الصمت تشعر أن ما لديك كثير.. كثير؛ ثم تتكلم.